الفصل الأول: الجهاز الحركي
الفصل الثاني: الفسيولوجيا - علم وظائف الأعضاء (أجهزة الدعم الحيوي)
الأيض وأنظمة الطاقة (Metabolism and Energy Systems)
الميكانيكا الحيوية Biomechanics

نظام الفسفرة التأكسدية (Oxidative phosphorylation)

إن هذا النظام هو أكثر الأنظمة الثلاثة تعقيداً، حيث يقوم الجسم بتفكيك مصادر الطاقة بمساعدة الأوكسجين لتوليد الطاقة ويُطلق عليه أيضاً التنفس الخلوي الهوائي (Aerobic cellular respiration) بسبب استخدامه للأوكسجين وتتم هذه العملية ضمن عٌضيّات خلوية خاصة تعرف بالمايتوكوندريا (وهي بمثابة محطات توليد الطاقة في الخلية)، وهذا النظام هو الأبطأ بين الأنظمة الثلاثة.

أُنظر الشكل (30) الذي يوضح الصيغة الكيمائية العامة لعملية التنفس الهوائي.

الشكل رقم (30)

قد يبدو للوهلة الأولى نظام الفسفرة التأكسدية الأقل “جاذبية” إذا جاز التعبير مقارنة بالأنظمة اللاهوائية بسبب مشاركته المتأخرة في تزويد الجسم بالطاقة، إلا أن هذا النظام يمتاز بسعة كبيرة لإنتاج الطاقة وهو النظام الأساسي لإنتاج الطاقة في وقت الراحة وخلال النشاطات طويلة الأمد منخفضة الشدة أو معتدلة الشدة ونشاطات التَحمُّل بشكل عام، ويشمل الإنتاج الهوائي للـ  ATPثلاث عمليات، وهي التحلل الجلايكولي الهوائي، دورة كربس، وسلسلة نقل الإلكترونات وسنتعرف عليهم الآن بشيء من التفصيل.

  • التحلل الجلايكولي الهوائي (Aerobic Glycolysis)

يلعب هدم الجلوكوز دوراً مهما في إنتاج الـ ATP سواء كان بشكل هوائي أو لا هوائي. فكما ذكرنا سابقاً أن التحلل الجلايكولي سواء كان بوجود أو عدم وجود الأوكسجين، سيَنتج عنه حامض البيروفيك والاختلاف فقط هو في مصير ناتج العملية، أي حامض البيروفيك. أُنظر الشكل (31).

نتذكر من السطور السابقة أن التحلل الجلايكولي اللاهوائي ينتج عنه حامض اللاكتيك، بالإضافة إلى جزيئي ATP لكل جزيء من الجلوكوز. أما في حال توفر الأوكسجين، فسيتم تحويل حامض البيروفيك إلى مُركَّب يسمى الإستيل مساعد إنزيم -أ (Acetyl CoA) داخل حشوة الميتوكوندريا وهذا المركب مهم جداً للبدء بالمرحلة الثانية من الفسفرة التأكسدية، أي دورة كربس.

  • دورة كربس (The Krebs Cycle)

بعد أن يتم تكوين الإستيل مساعد إنزيم -أ فإنه يدخل دورة كربس، حيث تتم أكسدته ‏لإنتاج الطاقة من خلال سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية وتحدث هذه التفاعلات داخل حشوة الميتوكوندريا حيث ينتج عنها تكوين جزيئين من الـ ATP، كما ينتج عنها ثاني أوكسيد الكربون وأيونات الهيدروجين (H+) التي سيتم استخدامها في المرحلة اللاحقة، أي في سلسلة نقل الإلكترونات.

الشكل رقم (31)
  • سلسلة نقل الإلكترونات (Electron transport chain) 

ينتج عن تفاعلات التحلل الجلايكولي وخلال دورة كربس إطلاق أيونات الهيدروجين، ولكيلا تتراكم هذه الأيونات وتسبب ارتفاع مستوى الحموضة داخل الخلايا، يتم اتحاد هذه الأيونات مع نواقل الكترونية تحمل ذرات الهيدروجين عبر غشاء الميتوكوندريا وبعد المرور بسلسلة من التفاعلات يتم إنتاج المزيد من الطاقة.

وتقدم في النهاية هذه التفاعلات الطاقة لعملية تحويل جزيئات الـ ADP إلىATP. وينتج عن أكسدة جزيء واحد من الجلوكوز تقريباً 32 -34 جزيء ATP. أُنظر الشكل (32) الذي يوضح المراحل المختلفة من التنفس الخلوي.

من الجدير بالذكر أن الجسم يمكن أن ينتج الإستيل مساعد إنزيم -أ من أيض الدهون بعملية تعرف بأكسدة بيتا التي تحول الدهون إلى أحماض دهنية (β-oxidation)، حيث إن أيض الدهون يتم في الجسم بشكل هوائي ومن ثم يتم استخدام الإستيل مساعد إنزيم -أ في دورة كربس لإنتاج المزيد من الـ ATP.

  وينتج عن أيض الدهون بشكل عام كمية أكبر بكثير من الـ ATP  ويحدد الكمية نوع الحامض الدهني المستخدم كمصدر للطاقة وعدد ذرات الكربون المكونة له، فمثلاً ينتج حامض البالمتيك

 (Palmitic acid) المكوّن من 16 ذرة كربون 129 جزيء ATP، فمع ازدياد عدد ذرات الكربون، تزداد كمية الإستيل مساعد إنزيم -أ الممكن تكوينها.

ويحتاج أيض الدهون من الجسم استخدام كم أكبر من الأوكسجين، لذلك تظل الكربوهيدرات المصدر المفضل للجسم كوقود لإنتاج الـ ATP بشكل هوائي، وكذلك خلال التمارين اللاهوائية (عندما تكون كمية الأوكسجين محدودة).

كما يمكن أن يستخدم الجسم البروتين لتوليد الطاقة أثناء التمارين الرياضية في حالات الجوع الشديد أو عند استنفاذ الطاقة، حيث يتم إنتاج الإستيل مساعد إنزيم -أ من أيض الاحماض الامينية (أي وحدات البناء الاساسية للبروتينات) لاستخدامه في دورة كربس.

 كما تستخدم الأحماض الأمينية كمصدر للطاقة عن طريق تحويلها إلى جلوكوز بعملية استحداث السكر التي ذكرناها سابقاً، لذلك تُعد البروتينات مصدراً ثالثاً للطاقة. أُنظر الشكل (33) الذي يوضح كيف يمكن لمصادر الطاقة المختلفة أن تنتج الإستيل مساعد إنزيم -أ.

الشكل رقم (32)

ومن المثير للاهتمام أن الجسم يفضل إنتاج الطاقة بشكل هوائي لعدة أسباب منها:

  • أن كم الطاقة التي تنتج عنها أكبر بكثير من الطاقة التي تنتج بالطرق اللاهوائية.
  •          ·             أن فضلات هذه العملية هي الماء وثاني أوكسيد الكربون والتي يسهُل التخلص منها مقارنة بحامض اللاكتيك الذي يشكل عبئاً أكبر على الجسم للتخلص منه.
  •          ·             تنوع المواد الأولية التي يمكن استخدامها للبدء بتفاعلات التنفس الخلوي، فعملية أيض الدهون في الجسم تتم بالطرق الهوائية، والدهون غالباً ما تتوفر بكميات وفيرة إذا ما قورنت بالكربوهيدرات والبروتينات، ما يُمكِّن هذا النظام من توفير الطاقة لأداء التمارين الرياضية لفترات طويلة جداً.

التداخل بين أنظمة الطاقة

من دراسة أنظمة الطاقة المختلفة يمكن أن يبدو للوهلة الأولى أن نظاماً واحداً فقط يكون عاملاً في أي وقت من الأوقات، إلا أن الحقيقة أن الأنظمة الثلاثة تعمل دائما معاً بتوافق وبتنسيق تام من الجسم ولا يعمل نظام بمعزل عن الآخر، بل إن عمل كل نظام يعتمد على الآخر، إلا أن مساهمة كل نظام كمزود للطاقة تختلف باختلاف النشاط الذي تتم مزاولته، وبناء على هذا يتم تقسيم التمارين إلى:

  • تمارين لاهوائية (Anaerobic exercises) وهي التي تعتمد بشكل كبير على نظامي الـATP-PCr  والتحلل الجلايكولي اللاهوائي لإنتاج الطاقة.
  • تمارين هوائية  (Aerobic exercises)وهي التي تعتمد بشكل رئيسي على نظام الفسفرة التأكسدية لتزويدها بالطاقة.

ويتم أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار عند تصميم البرامج التدريبية وتحديد متغيرات التمرين مثل عدد الجولات والتكرارات وشدة التمرين، وكذلك تحديد فترات الراحة ما بين الجولات أو التمارين، حيث إن فترة الراحة تُمثل وقت التعافي الذي يسمح للجسم بالتخلص من حامض اللاكتيك، وكذلك إعادة شحن جزيئات الـ ADP لتكوين جزيئات ATP بدل المستخدمة خلال التمرين وإعادة مستويات الفوسفوكرياتين إلى ما كانت عليه قبل التمرين للتمكن من الاستمرار في النشاط.

ومن الضروري التنبيه هنا أن التعافي بطبيعة الحال هو حدث هوائي يعتمد على الفسفرة التأكسدية وهي عملية بطيئة نسبياً كما ذكرنا سابقاً. أُنظر الجدول رقم (18) الذي يتضمن مقارنة بين الأنظمة الثلاثة.

معلومة مهمة

كيف يتخلص الجسم من حامض اللاكتيك؟

يقوم الكبد بتحويل حامض اللاكتيك إلى حامض البيروفيك مرة أخرى ويستخدمه لإنتاج الجلوكوز، كما تحوّل عضلة القلب والعضلات الهيكلية (بالتحديد عضلات النوع الأول) حامض اللاكتيك إلى حامض البيروفيك ليتم استخدامه لإنتاج الطاقة من قبل الميتوكوندريا عن طريق الفسفرة التأكسدية، أي أن الجسم يستخدم حامض اللاكتيك كمصدر للطاقة، وعندما يظهر في الدم بسرعة أكبر من قدرة الجسم على التخلص منه نصل إلى ما يعرف بعتبة اللاكتيت أو العتبة اللاهوائية، وسنتحدث عنها لاحقاً أكثر.