الفصل الأول: الجهاز الحركي
الفصل الثاني: الفسيولوجيا - علم وظائف الأعضاء (أجهزة الدعم الحيوي)
الأيض وأنظمة الطاقة (Metabolism and Energy Systems)
الميكانيكا الحيوية Biomechanics

نظام التحلل الجلايكولي اللاهوائي (Anaerobic Glycolysis)

ماذا يحدث إذا أراد صديقنا الـعَدّاء الاستمرار في الجري لمدة تزيد عن 10-15 ثانية؟ من أين سيحصل على المزيد من جزيئات الـATP للاستمرار في الجري؟

من حسن حظ الـعَدّاء أن الجسم يستطيع إنتاج المزيد من الـATP  باستخدام نظام التحلل الجلايكولي، أي هدم أو تحلل الجلوكوز والذي يتولى مهمة تزويد الجسم بالـ ATP في هذه المرحلة وبدون الحاجة للأوكسجين.

 ومن المثير للاهتمام أن هذا النظام يبدأ بالعمل بالتزامن مع نظام ATP-PCr، إلا أنه ينتج جزيئات الـ ATP بشكل أبطأ من نظام الـ ATP-PCr، ولذلك تكون مساهمته قليلة خلال الثواني العشرة الأولى من النشاط. إن مشاركة هذا النظام بعملية توليد الطاقة يساعدنا على الاستمرار بالنشاط لفترة أطول، ولكن علينا التقليل من شدة التمرين، وفي حالة الـعَدّاء للاستمرار في الجري سيضطر للإبطاء قليلاً من سرعته.

تحدث عملية تحلل الجلوكوز في سيتوسول الخلايا، وذلك عبر سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي يتحكم بها 10 انزيمات لاهوائية خاصة، فهي أكثر تعقيداً من نظام ال ATP-PCr، ويستخدم هذا النظام الجلوكوز المتوفر في الدم والذي ينتج عن:

  • هضم الكربوهيدرات،
  • تحطم جلايكوجين الكبد،
  • بالإضافة إلى عمليات بناء جزيئات الجلوكوز في الكبد التي يُطلق عليها استحداث السكر (Gluconeogenesis) من مصادر غير الكربوهيدرات مثل الدهون أو البروتينات.

كما تستخدم العضلات أيضاً الجلوكوز الناتج عن تحطم جلايكوجين العضلات المُخزّن فيها.

وتؤدي عملية هدم الجلوكوز في النهاية إلى إنتاج حامض البيروفيك (Pyruvic acid)، حيث ينتج عن تحلل كل جزيء جلوكوز جزيئان من حامض البيروفيك. وتُنتج هذه العملية جزيئين ATP إذا كان مصدر البيروفيك هو الجلوكوز، وثلاثة جزيئات ATP إذا كان المصدر هو الجلايكوجين.

كما ينتج عن هذه العملية أيضاً أيونات الهيدروجين (H+) والتي إذا ما تراكمت في الألياف العضلية ستتسبب بإعياء العضلات والشعور بنوع من الألم أو الحرقة المزعجة (Burning sensation) ، لذلك يقوم الجسم بمعادلتها عن طريق ارتباطها بناقل الكتروني يسمى NAD+ يتم اختزاله وتحوليه إلى NADH. أُنظر الشكل رقم (29).

من المثير للاهتمام أن تكوّن حامض البيروفيك يعتبر بمثابة مفترق الطرق بالنسبة للخلايا، فقد ذكرنا أن هذه العملية لا تحتاج لوجود الأوكسجين، إلا إن توفُر الأوكسجين هو الذي يحدد مصير حامض البيروفيك.

 وفي السطور القادمة سنتحدث عن مصير حامض البيروفيك في حالة عدم توفُر الأوكسجين، أي الهدم اللاهوائي للجلوكوز (ويسمى بالتخمُّر في بعض المراجع) والذي يؤدي إلى تحوّل حامض البيروفيك إلى حامض اللاكتيك أو اللبن (Lactic acid)  الغني بالتأكيد عن التعريف!

الشكل رقم (29)

فعندما تتم عملية التحلل الجلايكولي لإنتاج الطاقة بشكل سريع (مثلاً عند محاولة الـعَدّاء للجري بسرعة)، سيتم أيضاً تكون أيونات الهيدروجين بشكل سريع والتي على الجسم معادلتها كما ذكرنا سابقاً.

ولأن العضلات بحاجة للطاقة بسرعة وسرعة إمداد الأوكسجين لا توازي هذه السرعة لنتمكن من إنتاج الطاقة بشكل هوائي (والذي سنتحدث عنه بعد قليل)، يهُب حامض البيروفيك لنجدة العضلة وذلك بمعادلة أيونات الهيدروجين حيث يتحول بذلك إلى حامض اللاكتيك، ولكن لفترة وجيزة!

بالرغم من قدرة هذا النظام على توليد كم أكبر من الطاقة من نظام ATP-PCr، إلا أنه يمد الجسم بطاقة كافية لاستمرار النشاط لمدة 30-50 ثانية إضافية، والجدير بالذكر أن معظم التمارين الرياضية التي نقوم بها في النوادي الرياضية تعتمد اعتماداً كبيراً على هذا النظام، فالقيام ب 8-12 تكرارات من تمارين المقاومة يقع ضمن هذا الإطار الزمني.

نلاحظ أن العمل المشترك لنظامي الـ  ATP-PCrوالتحلل الجلايكولي اللاهوائي يسمح للعضلة بتوليد القوة عندما يكون إمداد  الأوكسجين غير كافٍ، ويكونان هما النظامين السائدين خلال الدقائق الأولى من التمرين الشديد، وبعد الجري لمدة 90-120 ثانية سيواجه صديقنا الـعَدّاء مفترق طرق جديد. فما هو يا ترى؟

إن تراكم حامض اللاكتيك الناتج عن التحلل الجلايكولي اللاهوائي في العضلات وسوائل الجسم يُعتبر عاملاً محدداً لقدرة نظام التحلل الجلايكولي على الإستمرار في إنتاج الطاقة لفترة أطول.

فعندما تزداد مستويات حامض اللاكتيك في العضلة عن مستوياتها في حالة الراحة والتي تكون 1 ملي مول/كغم من العضلة (1mmol/kg)، لأكثر من 25 ملي مول/كغم(25mmol/kg) ، يرتفع مستوى الحموضة داخل الألياف العضلية ويمنع هذا “التحمّض” في الألياف العضلية استمرار عملية هدم جلايكوجين العضلات لاستخدامه بعملية التحلل الجلايكولي وذلك لأنه يُعطل عمل الأنزيمات اللاهوائية، كما إنه يُعوّق أيضاً عمل الكالسيوم الضروري لتكون الجسور العرضية في الألياف العضلية وحدوث الانقباض العضلي.

من المحتمل أن يرتفع استخدام الطاقة من قبل الألياف العضلية خلال التمرين 200 ضعف عن وقت الراحة، وسيعجز في هذه الحالة نظاما   ATP-PCrوالتحلل الجلايكولي اللاهوائي عن توفير كل الطاقة اللازمة، فماذا يفعل صديقنا الـعَدّاء في هذه المرحلة؟ هل سيتوقف عن الجري؟

بالطبع لا…

لحسن الحظ سيقوم نظام الفسفرة التأكسدية، أي النظام الهوائي بتحمل مسؤولية إنتاج الطاقة والاستمرار في التمرين، ولكن مرة أخرى على الـعَدّاء أن يبطئ من سرعته للاستمرار في الجري.

معلومة مهمة

هل تعلم أن على الجسم أن ينفق الطاقة لإنتاج الطاقة؟

مع أن الهدف من عملية التحلل الجلايكولي هو توليد الطاقة إلا أنه على الجسم أن ينفق بعض الطاقة لإنتاج طاقة أكثر (مثل العمولة التي تدفعها عند تصريف العملة الأجنبية إذا اعتبرنا أن توليد الـATP   من مصادر الطاقة هو بمثابة تحويل العملة الأجنبية إلى العملة المحلية) والسبب أنه يجب أن يتحول الجلوكوز أو الجلايكوجين إلى مركب يسمى جلوكوز سداسي الفوسفات قبل أن يُستخدم أي منهما لإنتاج المزيد من جزيئات الـATP وهذه العملية بحد ذاتها تحتاج لاستخدام جزيء ATP واحد إذا كان مصدر الجلوكوز سداسي الفوسفات هو الجلوكوز، أما اذا كان المصدر هو الجلايكوجين فلا يحتاج الجسم لصرف الطاقة، وبكلتا الحالتين بمجرد تكوّن الجلوكوز سداسي الفوسفات تبدأ عملية التحلل الجلايكولي .