الفصل الأول: الجهاز الحركي
الفصل الثاني: الفسيولوجيا - علم وظائف الأعضاء (أجهزة الدعم الحيوي)
الأيض وأنظمة الطاقة (Metabolism and Energy Systems)
الميكانيكا الحيوية Biomechanics

كيف تؤثر القوى على حركة الجسم؟

في كل لحظة من لحظات حياتنا تتعرض أجسامنا لتأثير العديد من القوى منها داخلية ومنها خارجية، ومع أننا لا نراها إلا أننا نشعر بتأثيرها، فالقوى هي ما يدفعنا لنتحرك ولنتوقف عن الحركة وكذلك لنغير اتجاهنا أو سرعتنا أثناء الحركة، فالقوة هي أساس الحركة. ولا يتوقف دور القوى عند الحركة فقط، فهي مهمة عندما نحاول أن نحافظ على توازن الجسم، فأجسامنا تتلاعب بالقوى المختلفة التي تحيط بنا لنتمكن من التوازن والمحافظة على وضعية الثبات.

 وتنتج القوى من تأثير جسم على آخر وتُعرّف القوة (Force) بانها أي مُؤثر من شأنه أن يسبب تغيير في شكل الجسم أو حالته الحركية (يؤدي إلى تسارعه) أو كليهما. ولكل قوة مقدار (Magnitude) وإتجاه (Direction) فهي من الكميات الفيزيائية المُتجهة، وتقاس القوة بالنيوتن (N) نسبة بالطبع للعالم إسحق نيوتن الذي صاغ قوانين الحركة الثلاثة الشهيرة عام 1678. وبالتعريف البسيط يمكن ان تُعرّف القوة على أنها تأثير بالسحب (Pull) أو بالدفع (Push) على جسم ما.

 وما يعنينا في هذا الفصل هو تأثير القوى على حركة جسم الإنسان وسنركز على دور القوى في تسارع الجسم ومع أننا نستخدم في حياتنا اليومية مصطلح التسارع للدلالة على زيادة السرعة، إلا أن تعريف التسارع من الناحية الميكانيكية قد يختلف بعض الشيء. فالمقصود بالتسارع هنا هو معدل التغيُّر في السرعة ويقال أن الجسم يتسارع عندما يبدأ أو يتوقف عن الحركة، أو عندما تزداد سرعته أو تقل، أو عندما يُغيّر من إتجاهه، والتسارع أيضاً كمية متجهة، له مقدار واتجاه.

وتُسمى القوى التي توثر على أجسامنا نتيجة التفاعل مع البيئة الخارجية بالقوى الخارجية (External forces) ومنها قوة الجاذبية (Gravity-gravitational force) وقوة الاحتكاك(Friction)  والقوى الأرضية الارتدادية (Ground reaction forces)، بيمنا تُسمى القوى التي يتم توليدها من داخل الجسم بالقوى الداخلية

(Internal forces). فمثلاً عندما تنقبض العضلات، فهي تؤثر بقوة سحب على العظام تؤدي إلى حركة العظم حول المفصل وتقاوم القوى الداخلية تأثير القوى الخارجية وتحافظ على تماسك بنية الجسم.

عندما تؤثر هذه القوى المختلفة على الجسم، فهي تؤثر على كل مكونات الجسم أثناء الراحة وأثناء الحركة ويُطلق على تأثير القوى المختلفة على أجهزة الجسم بالحِمل الميكانيكي .(Mechanical load) وأثناء النشاطات الحياتية المختلفة يخضع الجسم لتأثير عدد من القوى، ما يعني أن أنسجة الجسم تخضع لأنواع مختلفة من الأحمال الميكانيكية في ذات الوقت، وهناك أنواع مختلفة من الأحمال الميكانيكية التي يمكن أن يخضع لها الجسم ومنها الشد (Tension) ، الضغط (Compression) ، الالتواء (Torsion) ، الانحناء   (Bending)، والجز (Shear).

والقوى الخارجية هي ما يحدد حركة الجسم ككل، فعندما نتحدث عن حركة أجسامنا، أول ما يتبادر إلى الأذهان هي العضلات لكونها الأداة المولّدة للقوة التي تُمكّننا من تحريك أجسامنا، ولكن لكون العضلات قادرة على أن تنتج قوة داخلية فقط فهي لا تسبب تغيُّراً في حركة مركز ثقل الجسم (والذي سنناقشه لاحقاً)، فالانقباض العضلي يمكن أن يسبب تحريك أطراف الجسم، إلا أن حركات الأطراف لن تؤدي إلى أي تغيير في حركة مركز ثقل الجسم ما لم تؤثر قوى خارجية على أجسامنا، فإذا أردنا تغيير حركة الجسم بالكامل لابد أن نقوم بعملية دفع أو سحب ضد جسم أو سطح خارجي آخر، وذلك لنتمكن من إحداث تغيير في حركة مركز ثقل الجسم.

فمثلاً عندما يقفز لاعب كرة السلة لالتقاط الكرة ويلاحظ وهو في الهواء أنه قد قفز مبكراً، فهو لن يستطع أن يقف في منتصف الطريق بعد أن قفز وهو تحت تأثير قوة الجاذبية فقط، وإذا أراد ان يعاكس عمل الجاذبية عليه أن يلامس جسماً أو سطحاً خارجياً آخر لخلق قوة خارجية أُخرى تعاكس قوة الجاذبية، وبالطبع سيعود اللاعب إلى أرضية الملعب، وعندما تلامس قدميه الأرض يدفع الأرض بقدميه مولداً قوة ارتداد خارجية أخرى (القوى الارتدادية الأرضية) تدفعه للقفز مجدداً متغلباً على الجاذبية، فأرضية الملعب هنا هي مصدر القوة الخارجية.

وبالإضافة لدورها المهم في الحركة إلا أن هذه القوى أيضاً تشكل عبئاً على أنسجة الجسم، فكما ذكرنا سابقاً، إن القوة الخارجية تُخضع مكونات الجهاز العضلي الهيكلي- أي العضلات والعظام والغضاريف والأوتار والأربطة- لأنواع مختلفة من الأحمال الميكانيكية والتي تؤدي إلى حدوث تغييرات بنيوية في هذه الأنسجة، حيث قد تتسبب في حدوث تغييرات في شكل النسيج (Deformation) ما يؤثر على قدرات النسيج الوظيفية وهذا ما يحدث عند تعرض الإنسان لإصابة في الجهاز العضلي الهيكلي (مثل كسور العظام أو تمزق الأوتار أو الأربطة).

ويعتمد مقدار الضرر الناتج عن القوى الخارجية على نوع الحِمل الميكانيكي الذي يتعرض له الجسم وطبيعة النسيج الذي تعرض لهذا الحِمل، حيث تختلف الأنسجة في خصائصها الميكانيكية وبالتالي في قوتها ودرجة تحملها للتوتر والإجهاد الميكانيكي (Mechanical stress) الواقع عليها. فمثلاً تتميز العظام بكونها أكثر الأنسجة قدرة على تحمل الضغط (Compression) بينما تتميز الأوتار بقدرة تحمل عالية للشد (Tension)، ولكن مقاومتها للضغط منخفضة.

 والجدير بالذكر أن العظام والغضاريف والأربطة والأوتار تحتاج إلى أن تتعرض بشكل منتظم لفترة يزداد فيها الحِمل (Loading)، يعقبها فترة يقل فيها الحِمل (Unloading)، ما يجعلها أكثر قوة، أي يزيد من قدرة تَحمُّلها لتأثير القوى الخارجية، إذ أن قلة النشاط وقلة الحركة يؤديان إلى ضعف هذه الأنسجة وإلى قصر الأوتار والأربطة. وهنا تتجلى أهمية الفهم العميق لأجزاء الجهاز الحركي والقوى التي تؤثر عليه، ومن ثَم توظيف هذا الفهم في تصميم برامج رياضية تدريبية تُمكِّننا من تسخير هذه القوى في زيادة وتحسين القدرات والمهارات البدنية من جهة، والحد من حدوث الإصابات من جهة أخرى.

وتُقسّم القوى الخارجية إلى نوعين، قوى ناتجة عن الاتصال المباشر وتلامس الأجسام مع بعضها البعض

(Contact forces) ومثال عليها قوة الاحتكاك والقوى الارتدادية الأرضية ومقاومة الهواء والماء، والنوع الآخر هو القوى الخارجية التي لا يعتمد تأثيرها على التلامس بين الأجسام (Noncontact forces)، وأهم مثال عليها بالنسبة لنا هنا هي قوة الجاذبية الأرضية، ودعونا نبدأ بالحديث عن الجاذبية الأرضية.

معلومة مهمة

ما المقصود بالكمية المتجهة؟

نتعامل في حياتنا اليومية مع العديد من الكميات الفيزيائية مثل المسافة والزمن والسرعة والقوة والإزاحة وغيرها، وتختلف طريقة وصفها أو التعبير عنها، فبعضها يُعبَّر عنه بالمقدار فقط ويُسمى كمية قياسية (Scalable quantity) مثل الزمن والمسافة (Distance) والسرعة (Speed)، والبعض الآخر يُعبَّر عنه بالمقدار وبالإتجاه معاً وتُسمى كميات متجهة أو متجهات (Vectors) مثل السرعة المتَجهة (Velocity) والقوة  (Force) والإزاحة (Displacement) .