الفصل الأول: الجهاز الحركي
الفصل الثاني: الفسيولوجيا - علم وظائف الأعضاء (أجهزة الدعم الحيوي)
الأيض وأنظمة الطاقة (Metabolism and Energy Systems)
الميكانيكا الحيوية Biomechanics

حركة العتلات أو الرافعات (Levers Motion)

إن نظام العتلات هو من أحد الأنظمة الميكانيكية الموجودة في الطبيعة والتي يَشترط عملها وجود جسم مادي صلب أي العتلة (Lever)، قابل للدوران حول محور أو نقطة ارتكاز ثابتة Fulcrum) ) وتؤثر عليه قوة (جهد) ومقاومة ويبعد كل من خط عمل الجهد وخط عمل المقاومة مسافة عامودية عن محور الدوران، حيث تُعرف هذه المسافة بالذراع (Arm)، وهنالك ذراع للجهد وذراع للمقاومة. أُنظر الشكل رقم (49).

الشكل رقم (49)

والهدف من استخدام الإنسان للعتلات هو لتسهيل عملية تحريك حمولة كبيرة أو ثقيلة لمسافة معينة، حيث إن العتلة تعمل وكأنها أداة لتضخيم تأثير القوة، كما من الممكن أيضاً استخدام العتلات لزيادة المدى الحركي أو سرعة الحركة.

 والجهاز الحركي لجسم الإنسان يشبه إلى حد كبير في عمله هذا النظام، حيث تتوفر في جسم الإنسان مقومات  

نظام العتلات، وهي:

  • العتلة (Lever)، إذ تلعب العظام دور العتلة.
  • الجهد (Effort)، القوة التي يتم تسليطها على العتلة للتأثير على الحِمل وتمثلها هنا القوة العضلية.  
  • محور الدوران (Fulcrum) إذ تلعب المفاصل دور المحاور أو نقاط الارتكاز التي تحدث عندها الحركة نتيجة سحب العضلة للعظم.
  • الحِمل (Load) أو المقاومة وهي القوة التي تعاكس عمل القوة العضلية، وفي هذه الحالة يمكن أن تكون وزن جزء من أجزاء الجسم أو وزن جسم خارجي مثل الأثقال أو الدمبل.

وتُصنف العتلات إلى ثلاث فئات ويتم هذا التصنيف تبعاً للعلاقات بين نقطة الارتكاز والجُهد والحِمل الموزعة على طول العتلة. ويمكنك أن تتعرف أكثر على هذه الفئات من خلال الجدول رقم (22) وكذلك الشكل رقم (49).

الجدول رقم (22)
الشكل رقم (49)

ووجود نظام العتلات يزود الجسم بميّزة يُطلق عليها الفائدة الميكانيكية  (Mechanical advantage- MA)

والمقصود بذلك أنها تُمكِّننا من التغلب على مقاومات كبيرة باستخدام قوة صغيرة، أي جهد أقل، كما تُمكِّننا العتلات أيضاً من زيادة المدى الحركي (Range of motion) وزيادة سرعة الحركة.

ولنفهم أكثر الفائدة من وجود نظام العتلات بالنسبة لحركة الجسم، يجب أن نتطرق أولاً إلى مفهوم عزم القوة الذي تحدثنا عنه عندما تحدثنا عن الحركة الزاويّة (وفي اللغة الإنجليزية يُعرف بـ Torque ويُطلق عليه أيضاً مصطلح  Moment of force). وعزم القوة هو مقدرة القوة على إحداث دوران لجسم ما حول نقطة ارتكاز أو محور ثابت، وبما أن حركة المفاصل هي حركة زاويّة (دورانية)، فستنتج عزماً عندما تنقبض العضلات وتسحب العظام لتحريك المفصل، ويُمثل القانون التالي العلاقة بين القوة والعزم:

T = F × r  

حيث إن:

العزم = T ووحدة قياسه هي نيوتن.متر (Nm)

ذراع القوة = r وهي المسافة بين نقطة تأثير القوة على العتلة ومحور الدوران، وتسمى بالذراع (Moment arm)

ووحدتها المتر(m)

القوة = F ووحدتها نيوتن (N)

ومن هذه العلاقة نفهم أن عزم القوة يتناسب طردياً مع حجم القوة ومع ذراعها، أي كلما زادت القوة يزداد العزم، وكلما زاد ذراع القوة يزداد العزم أيضاً، والعزم قيمة مُتجهة مثل القوة لها مقدار واتجاه، ويُعتبر العزم موجباً إذا كان اتجاه الدوران عكس عقارب الساعة، وسالباً إذا كان اتجاه الدوران مع عقارب الساعة.

وإذا نظرنا إلى جسم الإنسان بالتحديد سنرى أن العزم الناتج عن عضلة معيّنة هو ناتج حاصل ضرب القوة العضلیة العمودية على العظم(F1)  في ذراع القوة العضلية، وهي المسافة بين نقطة ارتباط وتر الاندغام بالعظم (المدغم) ومحور الدوران، أي المفصل (r1).

وبما أنه يوجد في نظام العتلات زوج من القوى أي الجهد (القوة التي يؤثر بها الجسم)، والمقاومة أو الحِمل (القوة المعاكسة في الإتجاه)، ففي هذه الحالة يكون العزم الكلي للنظام هو محصلة العزوم ويساوي:

محصلة العزوم= القوة × ذراعها + (- المقاومة) × (ذراعها)

T = F1×r1 + (-F2) ×(r2)

حيث إن F1 هي القوة المتمثلة بالجهد وr1 هي ذراعها، وF2 هي القوة المتمثلة في المقاومة وr2 هي ذراعها، والإشارة السالبة تدل على عكس الاتجاه بالطبع.

ولنفترض أنك تحمل ثقلاً في يديك وتحاول أن تثبته كما في الشكل رقم (50)، ماذا نتوقع أن يحدث في هذه الحالة؟ تحدثنا سابقاً عن الاتزان الستاتيكي، ذكرنا أنه ليتوازن الجسم يجب أن تتوازن القوى بحيث يكون مجموع القوى الخارجية المؤثرة عليه يساوي صفراً، أي محصلة القوى تساوي صفراً.

الشكل رقم (50)

وهذا يعني أنه لن يحدث تغيير في حركة الجسم الإنتقالية، ولكن لضمان عدم حدوث تغيير في حركة الجسم الزاويّة أيضاً يجب أن تكون محصلة العزوم المؤثرة عليه تساوي صفراً، وبالتعويض في المعادلة السابقة:  

T = Fr1 + (-F2) ×( r2) =0∑

T = Fr1 = F2 ×r2∑

الجهد (القوة العضلية) × ذراعها = المقاومة × ذراعها

وتعرف هذه العلاقة بقانون الرافعات (Law of levers)، ونفهم من هذه العلاقة أنه ليتوازن الجسم يجب أن يكون عزم الجهد مساوياً لعزم المقاومة، وأي اختلاف في العزوم في أي جهة من الجهات يعني أن العتلة لن تتوازن. وبإعادة ترتيب قانون الرافعات نحصل على ما يُعرف بالفائدة الميكانيكية (MA) والتي تساوي:

  المقاومة ÷ الجهد = ذراع الجهد ÷ ذراع المقاومة   F2/F1 = r1/r2      

أي أن الفائدة الميكانيكية هي عبارة عن نسبة المقاومة إلى الجهد، أو يمكن أن تُصاغ أيضاً بكونها نسبة ذراع الجهد إلى ذراع المقاومة، وبالتالي من الممكن حسابها من قسمة ذراع الجهد (r1)  على ذراع المقاومة(r2) ، والفائدة الميكانيكية تتحقق إذا كانت النسبة أكثر من واحد صحيح (MA ˃ 1).

ومن هذه العلاقة نستنتج انه كلما زادت ذراع الجهد ستزداد الفائدة الميكانيكية، فإذا أردنا أن نُثبت حِملا (مقاومة) معيناً، سنلاحظ أنه كلما ازدادت ذراع الجهد (القوة) سنحتاج إلى جهد أقل أي قوة عضلية أقل لتثبيت الحِمل، وكأن زيادة ذراع الجهد تُضخّم أو تُضاعف تأثير القوة العضلية.

ودعونا الآن ننظر لكل فئة من فئات العتلات الثلاث للتعرف على الفائدة الميكانيكية الناتجة عن كل منها، وسنبدأ بعتلات النوع الثاني.

  • عتلات الفئة الثانية

وهنا نرى أن ذراع الجهد دائماً أطول من ذراع المقاومة (r1 > r2) بمعنى أن هذا النوع من العتلات يوفر فائدة ميكانيكية كبيرة، وبالتالي يمكن تحريك حِمل كبير لمسافة قصيرة بجهد قليل، ومثال عليها في جسم الإنسان العتلة التي تعمل عندما نقوم برفع كعبي القدمين على رؤوس الأصابع عند القيام بتمرين

الـ (Calf raise) لعضلة الساق حيث إن جهداً قليلا (انقباض عضلة الساق) يرفع وزن الجسم بالكامل (مقاومة كبيرة) ولكن على عضلة الساق أن تنقبض لمسافة أكبر من المسافة التي يتحركها الجسم عندما نرفع الكعب (مدى حركي قليل). أُنظر الشكل رقم (51). وهذا النوع من العتلات ليس شائعاً لحد كبير في جسم الإنسان.

  • عتلات الفئة الثالثة

إن عتلات النوع الثالث هي العتلات الأكثر شيوعاً في الجسم ومثال عليها العتلة التي تعمل عند القيام بتمرين الـ(Biceps curls)  للعضلة العضدية ذات الرأسين. أُنظر الشكل رقم (50).

يُمثل الساعد في هذه الحالة العتلة ويُمثل مفصل المرفق نقطة الارتكاز. هنا ذراع الجهد أقصر من ذراع المقاومة (r1 ˂ r2) والسبب أن المسافة بين نقطة إندغام وتر المدغم للعضلة ذات الراسين ومفصل المرفق أقصر من المسافة بين المقاومة ومفصل المرفق وبالتالي فإن الفائدة الميكانيكية قليلة. أُنظر الشكل رقم (52).

بناءً على هذا الشكل، نلاحظ أن تثبيت دمبل تزن 200 N  في نفس هذه الوضعية سيتطلب قوة عضلية مقدارها 2000N  ، أي عشرة أضعاف قوة المقاومة.

الشكل رقم (51)

هذا يعني أن القوة التي توفرها العضلة ذات الرأسين يجب أن تكون أكبر بكثير من وزن الدمبل، لتحريك أو تثبيت الدمبل، قد يبدو هذا للوهلة الأولى عيباً ميكانيكياً، فكيف يمكن أن يكون ذلك مفيداً للجسم؟

إذا نظرنا إلى مدى حركة الدمبل مقارنة بمدى انقباض العضلة ذات الرأسين عند رفع الوزن من الوضع الأفقي، نرى أن الغرض من الساعد كعتلة هو زيادة المدى الحركي بدلاً من تقليل الجهد المطلوب، حيث من الممكن أن تتقلص العضلة ذات الرأسين 90 مليمتر فقط، بينما تتحرك اليد 60 سنتيمتر، إن هذه الفئة من العتلات تُمكّننا من تحريك المقاومة لمسافة أكبر خلال وقت معين، وبالتالي عندما تزيد من المدى الحركي فهي تزيد من السرعة، لذلك تُعتبر ميّزتها هي السرعة.

الشكل رقم (52)
  • عتلات الفئة الأولى

في حالة عتلات الفئة الأولى تتواجد نقطة الارتكاز بين نقطة تأثير قوة العضلة ونقطة تأثير المقاومة، أُنظر الشكل رقم (52).

وهنا من الممكن ان تكون r1 تساوي، أكبر، أو أصغر من r2، وبما أن الفائدة الميكانيكية تعتمد على نسبة ذراع الجهد إلى ذراع المقاومة، فمن الممكن ان تُوفر هذه الفئة من العتلات للجسم فائدة ميكانيكية كبيرة وتُمكِّننا من تحريك مقاومة كبيرة بجهد قليل إذا كانت r1 > r2.

 وأما إذا كانت r1 ˂ r2 فإن الحِمل سيتحرك لمسافة أبعد من الجهد المبذول، ومثال على ذلك العتلة الموجود في الجمجمة، حيث ترتكز الجمجمة على فقرة الأطلس في العمود الفقري وتحافظ عضلات الرقبة على استقرار الرأس، وعندما يتحرك الرأس (الحِمل) لأعلى أو لأسفل فهو يتحرك لمسافة أكثر من المسافة التي تتحركها عضلات الرقبة (الجهد) عندما تتقلص عضلات الرقبة، أي أن الفائدة هنا هي زيادة المدى الحركي، والجدير بالذكر أن هذه الفئة من العتلات يَندُر وجودها في الجسم.

ونفهم من السطور السابقة أنه لا يمكن للعتلة أن تُوفر فائدة ميكانيكية وكذلك زيادة في المدى الحركي أو السرعة في نفس الوقت، فالفائدة الميكانيكية تأتي على حساب السرعة، والعكس صحيح، لذلك فإن كل نوع من أنواع العتلات له مزايا وله عيوب.